الشيخ محمد النهاوندي
530
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الدنيا وما فيها ، وذلك لأهل الايمان والتوحيد . وعن الصادق عليه السّلام : « وإذا مرضت بالعصيان فهو يشفيني بالتوبة » « 1 » . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ويقبض روحي بقدرته وحكمته ثُمَّ يُحْيِينِ للحساب وجزاء الأعمال وقيل : يعني يميتني بالخذلان أو الجهل ، ثمّ يحييني بالتوفيق للطاعة ، أو بالعقل والعلم « 2 » وَالَّذِي أَطْمَعُ وأرجو أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي وزّلاتي يَوْمَ الدِّينِ والجزاء وعند الحساب ، وفي التعبير عن يقينه بالطمع تأدبّ وتعليم للعباد ، كما أنّ التعبير عما يصدر منه من ترك الأولى بالخطيئة هضم للنفس ، وحثّ للعباد على الحذر من المعاصي وطلب المغفرة . وقيل : إنّ المراد خطايا امّته ، أو امّة محمد صلّى اللّه عليه وآله وإنّما علّق المغفرة بيوم الدين لظهور فائدتها فيه « 3 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 83 إلى 84 ] رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) ثمّ أنّه عليه السّلام بعد احتجاجه على قومه بتوصيف المستحق للعبادة بأوصاف فائقة مستلزمة للمعبودية بحيث لا يكون الفاقد لواحد منها قابلا « 4 » لها ، سأل لنفسه أهمّ المطالب بقوله : رَبِّ هَبْ لِي وأعطني بكرمك حُكْماً وعلما كاملا أستحقّ به خلافتك ورياسة خلقك ، كما عن ابن عباس « 5 » ، وهو المعرفة بحقائق الأشياء ورؤيتها كما هي . وقيل : إنّ الحكم قوة بيان كلّ ما يحتاج إليه الناس على مقتضى الحكمة « 6 » وَأَلْحِقْنِي بتوفيقك للعمل بمرضاتك بِالصَّالِحِينَ والكاملين في الأخلاق والأعمال والمنزّهين عن النقائص الحيوانية والشهوات النفسانية ، واجعلني في زمرتهم ، أو أجمع بيني وبينهم في الجنّة وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ وحسن ذكر وجاه عظيم باق فِي الْآخِرِينَ وبين الناس إلى يوم الدين . قيل : إنّه عليه السّلام ابتدأ في دعائه بطلب الكمال الذاتي وهو العلم ، ثمّ بالكمال الأخلاقي وهو الصلاح ، ثمّ بالكمال الدنيوي الرّوحاني وهو الجاه والذكر الجميل الباقي إلى آخر الدهر « 7 » . وعلّة طلبه أنّ النفوس البشرية إذا انصرفت هممهم إلى شخص واحد بالمدح والثناء ، أثّرت في ذلك الشخص كمالا زائدا على ما يكون له ، وإنّ شهرة شخص بين الناس بسبب ماله من الفضائل وجريان مدحه
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 285 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 285 . ( 4 ) . يعني مستحقّا . ( 5 ) . تفسير الصافي 4 : 40 ، تفسير روح البيان 6 : 286 ، ولم ينسبه إلى ابن عباس ، مجمع البيان 7 : 304 ، وفيه : إنه العلم . ( 6 ) . مجمع البيان 7 : 304 . ( 7 ) . تفسير الرازي 24 : 149 .